محمد عزة دروزة
189
التفسير الحديث
لا يمكن تجنّبه . والتعبير يلهم تقرير كون المرء إنما يؤاخذ إذا تعمد الغش . أما إذا انتفت نية ذلك فلا محل للتشدد إلى درجة الوسواس . ويكفي المرء أن يبذل جهده . ولقد أورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال : « قال رسول اللَّه من أوفى على يده في الكيل والميزان واللَّه يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ » . والحديث لم يرد في الصحاح ولكنه متساوق مع روح الآية والمبدأ بإطلاقه أي لا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْساً إِلَّا وُسْعَها البقرة : [ 286 ] من المبادئ القرآنية المحكمة وقد ورد مثل هذا التعبير في الآية [ 42 ] من سورة الأعراف وعلقنا عليه بما فيه الكفاية . ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ‹ 154 › وهذا كِتابٌ أَنْزَلْناه مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوه واتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‹ 155 › أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ‹ 156 › أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وهُدىً ورَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّه وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ‹ 157 › . « 1 » أن تقولوا : لئلا تقولوا . « 2 » عن دراستهم : عن كتبهم أو لغتهم . « 3 » صدف : أعرض أو انحرف أو انصرف . في الآيات أولا : تقرير رباني بأن اللَّه تعالى قد آتى موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ومفصلا لكل ما يحتاج إليه قومه ليكون لهم فيه الهدى والرحمة فيؤمنوا باللَّه ولقائه وإشارة تنويهية إلى القرآن وتقرير كونه مباركا ودعوة العرب إلى اتباعه وتقوى اللَّه في أعمالهم لعلهم يكونون بذلك مظهر رحمة اللَّه أيضا .